اصوات

من سايغون الى كابول..لا ثقة بواشنطن

الصحافية لوري كينغ

لم تكن هناك من طريقة مُرضية لمغادرة الولايات المتحدة أفغانستان. فبعد قصف “تورا بورا”، وتآكل تنظيم القاعدة في عام 2002، لم يعد هناك من سبب لوجود القوات الأميركية في البلاد.
قبل عقدين من الزمن، لم نشهد على سفر الأفغان إلى مركز التجارة العالمي، أو مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ولم يحدث أن تواجد مقاتلو طالبان أبداً في الولايات المتحدة للتدرّب على كيفية التحليق بالطائرات التجارية.. باستثناء إسقاطها. الأفغان لم يكونوا متورطين بأحداث 11 أيلول/سبتمبر عام 2001. وكما نعلم الآن، أمضى أسامة بن لادن سنواته خارج أفغانستان، أي في باكستان، الحليفة المفترضة للولايات المتحدة في “الحرب على الإرهاب” الكارثية التي أودت بحياة مئات الآلاف، وكلّفت تريليونات الدولارات على مدى 20 عاماً.
مع سيطرة طالبان بشكل سريع على المناطق والولايات، وهروب القوات الأميركية، أحكمت الحركة قبضتها على العاصمة الافغانية كابل مرة أخرى في 11 أيلول/سبتمبر 2021، تماماً كما كانت في 11 أيلول/سبتمبر 2001. وبعد السيطرة السريعة للحركة، انتشرت صور ساخرة لمغادرة القوات الأميركية على عجل من مدينة سايغون الفيتنامية قبل خمسين 50 عاماً إلى جانب صور لأفغان يائسين يحاولون الصعود على متن طائرة أميركية تغادر مطار كابل هذا الأسبوع.
“‏ Déjà vu”.. الزمن يعيد نفسه.. خسرت أميركا حرباً أخرى أدت إلى تراجع هيمنتها العالمية، وسط تكرار السؤال التالي: “هل نتعلم دروسنا يوماً ما؟” على ما يبدو، لا.
لا تخاض الحرب في ساحة المعركة فقط، بل عبر كسب الشعبية التي من شأنها أن تكون المفتاح الرئيس لاستكمالها. في عالمنا المشهود له بانتشار الصور والمقاطع المصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن الدرس الرئيسي الذي يمكن للعالم أن يستخلصه من أحداث هذا الأسبوع هو “لا ثقة أبداً بالولايات المتحدة”. الأمر الأكثر إثارة للقلق بشأن هزيمة القوات العسكرية الأميركية المفاجئة والقوات العسكرية والأمنية المحلية المُدربة من قبل واشنطن، أمام طالبان، هو حقيقة أن الولايات المتحدة ستتخلى على الأرجح عن آلاف الأفغان، ليواجهوا مصيرهم تحت رحمة طالبان.
دافع الرئيس الأميركي جو بايدن الاثنين، عن قرار انسحاب قواته من أفغانستان، وقال: “القرار تأخر جداً”، مضيفاً أن البقاء لمدة أسبوع أو شهر أو عام آخر لن يُحدث فرقاً، مشيراً إلى أن خطة الانسحاب كانت سيئة لوجستياً، وأن “المشروع الأميركي في أفغانستان كان محكوماً بالفشل منذ بدايته في عام 2001”. سيُسجل تورط الولايات المتحدة في تلك البلاد لمدة 20 عاماً في التاريخ تحت عنوان مخاطر “الزحف في المهمات”، فباستثناء توجيه ضربة قاضية لقيادة تنظيم القاعدة في أعقاب أحداث 11 أيلول/سبتمبر، لم تكن هناك خطة أو رؤية موحدة للقوات الأميركية في أفغانستان، عوضاً عن أن الإدارة الاميركية خفضت من تركيزها هناك بعد عامين فقط، عندما ارتكبت واشنطن في ظل رئاسة جورج بوش الابن ونائبه آنذاك ديك تشيني، الخطأ الأكبر والأكثر فتكاً بغزو العراق لأسباب خادعة.
قُتل جيل كامل من الجنود الأميركيين، فيما فقدَ عدد كبير أطرافهم وآخرون أصيبوا بالجنون، في خوض حرب عقيمة على الإرهاب في ساحتين مختلفتين من المعارك. تناوب عشرات الآلاف من جنود الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي داخل وخارج أفغانستان لمدة عقدين من الزمن، توفي منهم الآلاف ويعاني آلاف آخرون من اضطراب ما بعد الصدمة، والذي تفاقم بعدما إدركوا أنهم حاربوا وعانوا مقابل لا شيء، بينما كان تجار الأسلحة والمتعاقدون العسكريون يجنون مليارات الدولارات، في المقابل، كان القادة الأفغان الفاسدون يتمتعون بالرفاهية والحياة الفاخرة.
لم يتم إنجاز أي شيء على الإطلاق في أفغانستان خلال عشرين عاماً، كما تزعزعت مكانة الولايات المتحدة كقوة عالمية عظمى. انتهت حقبة الاتحاد السوفييتي بسبب غزو أفغانستان غير الحكيم في عام 1979. وفيما يعلق المحللون والمعلقون السياسيون فشل واشنطن في أفغانستان على الرئيس جو بايدن، فإنه قد فعل ببساطة ما كان ينبغي أن يفعله أسلافه قبل سنوات. لكن دونالد ترامب حثّ دبلوماسييه على التفاوض مع طالبان في الدوحة على حساب الحكومة الأفغانية التي كانت تتبع تعليمات الولايات المتحدة في كابل، وذلك قبل عام من خروجه من البيت الأبيض. أراد ترامب خروج جميع القوات الأميركية من أفغانستان بتاريخ الأول من أيار/مايو 2021. من المعروف أن خطة ترامب ستعيد طالبان إلى السلطة، وعلى أي شخص يتخيل غير ذلك ألا يتقدم للخدمة في وكالات الاستخبارات الأميركية.
تمديد موعد مغادرة القوات الأميركية من أفغانستان لمدة ثلاثة أشهر كانت فرصة لإدارة بايدن للتخطيط بشكل أفضل لهذا الخروج، كما كان ينبغي مساعدة الأفغان الذين عملوا مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي كمترجمين فوريين وخبراء في إزالة الألغام ومعلمين وصحافيين وموظفين في المنظمات غير الحكومية. هذا الفشل يقع فقط على عاتق البيت الأبيض في ظل إدارة بايدن، على الرغم من اعتراضات وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن على ذلك.
هنا في الولايات المتحدة، تتناول التغطيات الإخبارية المعنية بمتابعة مغادرة القوات الأميركية من أفغانستان، حالة الصدمة الشديدة بسبب العودة السريعة لطالبان، والرعب على مصير النساء الأفغانيات، والاشمئزاز من معاملة الأفغان في مطار كابول، حتى أن الصحافيين اليساريين انتقدوا بايدن بسبب رحيله المتسرع والفوضوي وتخليه عن حلفاء الولايات المتحدة من الأفغان. لكن بايدن كانت محقاً عندما قال إنه لم يكن هناك من خيار آخر. كان من الممكن أن يكون هناك خيار آخر إذا اتخذ بوش وتشيني ودونالد رامسفيلد خيارات أخرى قبل عشرين عاماً. لكن للأسف، يمكننا أن نرى أن الماضي يعيد نفسه، فيما لا يمكننا العودة بالزمن إلى الوراء لإصلاح أخطائنا.
في الوقت الحالي، يجب مراقبة كيف ستتبلور أحداث الأسبوع الماضي في أفغانستان داخل السياسة الداخلية للولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الأميركية تعرب عن تخوف من أن سيطرة طالبان على البلاد قد تشير إلى تكرار هجمات 11 أيلول/سبتمبر، إلا أن التهديد الإرهابي الفعلي للولايات المتحدة يأتي من مصادر محلية: اليمين المتطرف الأبيض المؤيد لدونالد ترامب، ووسائل الإعلام اليمينية المتطرفة “المضللة”.
ستشكل طالبان بالتأكيد تهديداً مباشراً للأفغان الذين يفضلون الدولة العلمانية والحكم الديمقراطي الذي يضمن حقوق المرأة وحرية التعبير والتعليم للجميع، علماً أن الولايات المتحدة لم تفِ بوعودها حول هذه الميزات على مدار العقدين الماضيين.
إن التنبؤ بالتداعيات الإقليمية للتراجع الأميركي في باكستان وإيران والصين سيكون أكثر صعوبة. والسؤال الأهم: بعد عشرين عاماً، هل سنشاهد القوة العظمى العالمية الصاعدة حالياً أي الصين، وهي تسقط في أفغانستان، مكررةً تجارب الإسكندر الأكبر، والإمبراطورية البريطانية والاتحاد السوفييتي، والآن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، اللذين يتعثران ويسقطان في ذلك البلد الجبلي؟ سيكون مشاهدة هذا المسار مرة أخرى مأساوياً، لكنه ليس مفاجئاً.
زر الذهاب إلى الأعلى