أخبار محليةإقتصادخاص الموقع

إيرادات الدولة بين الدولار الجمركي وسعر الصرف

محمد فحيلي، خبير المخاطر المصرفية والباحث في الإقتصاد

 

اليوم الحديث عن ربط سعر صرف “الدولار الجمركي” بسعر منصة صيرفة، و”توحيد سعر الصرف” هو حديث يرفع علامات إستفهام عديدة عن مدى الجدية في مقاربة الحلول المستدامة من قبل الحكومة. من الواضح أن السلطة الحاكمة تهدف إلى “الترقيع” وليس إلى الحلول.

وفي المقلب الآخر، الهيئات الإقتصادية تمارس “الأنانية الإقتصادية” في مقاربة الحلول من خلال إقتراح الرفع التدريجي للدولار الجمركي وهي تعلم علم اليقين بأن المصدر الوحيد لتمويل نفقات الدولة، بعد طباعة العملة المكلف، هو الرسوم والضرائب على النشاط الإقتصادي للقطاع الخاص. وتمكين الدولة على الإستمرار بتقديم الخدمات الأساسية للمواطن اللبناني هو واجب ولا خيار في ذلك. بعد أن نجح القطاع الخاص بالتأقلم مع المتغيرات الإقتصادية والسياسية وإستطاع دولرة الجزء الأكبر من نشاطه الإقتصادي، بات واجب على القطاع العام إعتماد الدولرة في إيراداته لكي يستطيع على الإستمرار.

• منصة صيرفة هي سوق صرف يفتقد إلى حرية وشفافية التبادل بسبب الشروط المفروضة للإنخراط فيها والإستنسابية بتطبيق أحكام التعميم ذات الصلة. والكل بات يعرف بأن سعر الصرف يحدده مصرف لبنان وهو ليس نتيجة العرض والطلب. والجزء الأكبر من فاتورة الإستيراد يتم تمويله عن طريق دولار السوق السوداء وليس عن طريق دولار منصة صيرفة. هل بإستطاعتنا تفسير ربط الدولار الجمركي بسعر منصة صيرفة، أو أقل كما تقترح الهيئات الإقتصادية، بأنه نوع من “الدعم المموه” – دعم فرق سعر الصرف بين السوق السوداء (السعر الحقيقي) وسوق منصة صيرفة (السعر المصطنع) في تسديد الرسوم الجمركية.

• أحد أهم الإجراءات المطلوبة لإنقاذ لبنان من أزمته النقدية هي “تحرير” وليس “توحيد” سعر الصرف لأن توحيد سعر الصرف يتطلب توفر موارد لدى مصرف لبنان للوصول إلى سعر واحد (وهناك الكثير من الأسعار المصطنعة في التداول قسرا) وهذا السعر قد لا يعكس بالضرورة السعر الناتج عن العرض والطلب وحرية التبادل. المشكل يكون كبيراً جداً إن لم يكن هذا الفرق واضحاً لدى صانعي السياسات النقدية؛ ونكون في أزمة أكبر إذا كانوا يعرفون الفرق واختاروا “توحيد” عوضاً “تحرير” سعر الصرف.

الممر الإلزامي لخلاص لبنان من الأزمات الذي يتخبط بها هو الإصلاح وإعادة هيكلة القطاع العام بكل مكوناته، وتمكين وتفعيل عمل الأجهزة الرقابية، ونشر نهج الحوكمة في إدارة الشأن العام. الدولار بات يحتل الجزء الأكبر من الكيان الإقتصادي في لبنان بسبب تفاقم عامل فقدان الثقة، وأصبح في إحتساب دخل الفرد، وفي فاتورة الإستهلاك، وفي كلفة الصناعة، وفي الأقساط المدرسية، وفي فاتورة الإستشفاء وفي كل النشاطات الإقتصادية في القطاع الخاص.

مع التأقلم السريع لمكونات القطاع الخاص مع المتغيرات الإقتصادية، إستمرار الدولة في دفع الرواتب والأجور بالليرة اللبنانية وتحصيل إيراداتها بهذه العملة المنبوذة إقتصاديا سوف يدفعها وموظفيها إلى “الإستبعاد الإقتصادي”، أي لن تعد الدولة وموظفيها قوة إقتصادية مهمة في الإقتصاد الجديد الذي صنعته وفرضته الظروف على لبنان!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى